ابن تيمية

46

مجموعة الرسائل والمسائل

وإن قيل كل واحد له آخر يكمله إلى غير نهاية لزم التسلسل في المؤثرات ، وهو باطل بالضرورة واتفاق العقلاء ، فإن تقدير مؤثرات لا تتناهى ليس فيها مؤثر بنفسه لا يقتضي وجود شيء منها ولا وجود جميعها ولا وجود اجتماعها ، والمبدع للموجودات لا بد أن يكون موجوداً بالضرورة ، فلو قدر أن هذا كامل فكماله ليس من نفسه بل من آخر ، وهلم جرا ، للزم أن لا يكون لشيء من هذه الأمور كمال ، وقد قدر أن الأول ، كامل فلزم الجمع بين النقيضين ، وإذا كان كماله بنفسه لا يتوقف على غيره كان الكمال له واجباً بنفسه ، وامتنع تخلف شيء من الكمال الممكن عنه ، بل ما جاز له من الكمال وجب له ، كما أقر بذلك الجمهور من أهل الفقه والحديث والتصوف والكلام والفلسفة وغيرهم . بل هذا ثابت في مفعولاته ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وكان ممتنعاً بنفسه أو ممتنعاً لغيره فما ثم إلا موجود واجب إما بنفسه وإما بغيره ، أو معدوم إما لنفسه وإما لغيره ، والممكن إن حصل مقتضيه التام وجب بغيره وإلا كان ممتنعاً لغير ، والممكن بنفسه إما واجب لغيره وإما ممتنع لغيره . ، فإنه لو قيل لا يكون كاملاً حتى يجعل نفسه كاملاً ولا يجعل نفسه كاملاً حتى يكون كاملاً لكان ممتنعاً ، فكيف إذا قيل حتى يجعل ما يجعله كاملاً كاملاً . وإن قيل كل واحد له آخر يكمله إلى غير نهاية لزم التسلسل في المؤثرات ، وهو باطل بالضرورة واتفاق العقلاء ، فإن تقدير مؤثرات لا تتناهى ليس فيها مؤثر بنفسه لا يقتضي وجود شيء منها ولا وجود جميعها ولا وجود اجتماعها ، والمبدع للموجودات لا بد أن يكون موجوداً بالضرورة ، فلو قدر أن هذا كامل فكماله ليس من نفسه بل من آخر ، وهلم جرا ، للزم أن لا يكون لشيء من هذه الأمور كمال ، وقد قدر أن الأول ، كامل فلزم الجمع بين النقيضين ، وإذا كان كماله بنفسه لا يتوقف على غيره كان الكمال له واجباً بنفسه ، وامتنع تخلف شيء من الكمال الممكن عنه ، بل ما جاز له من الكمال وجب له ، كما أقر بذلك الجمهور من أهل الفقه والحديث والتصوف والكلام والفلسفة وغيرهم . بل هذا ثابت في مفعولاته ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وكان ممتنعاً بنفسه أو ممتنعاً لغيره فما ثم إلا موجود واجب إما بنفسه وإما بغيره ، أو معدوم إما لنفسه وإما لغيره ، والممكن إن حصل مقتضيه التام وجب بغيره وإلا كان ممتنعاً لغير ، والممكن بنفسه إما واجب لغيره وإما ممتنع لغيره . ثبوت الكمال لله تعالى بالنقل من كتابه وقد بين لله سبحانه أنه أحق بالكمال من غيره وأن غيره لا يساويه في الكمال في مثل قوله تعالى ( أفمن يخلق كمن لا يخلق ؟ أفلا تذكرون ) وقد بين أن الخلق صفة كمال ، وأن الذي يخلق أفضل من الذي لا يخلق ، وأن من عدل هذا بهذا فقد ظلم . وقال تعالى ( ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ، ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً - هل يستوون ؟ الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) فبين أن كونه مملوكاً عاجزاً صفة نقص ، وإن القدرة والملك والإحسان صفة كمال ، وأنه ليس هذا مثل هذا ، وهذا لله ، وذاك لما يعبد من دونه .